ابن الحسن النباهي الأندلسي

32

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

« واللّه ! يا أمير المؤمنين ! لأن يحنقني الشيطان أحبّ إليّ من أن ألي القضاء ! » فقال الرشيد : ما بعد هذا شيء ! » وأعفاه ، وأجازه بألفي دينار . ورأيت في « كتاب ترتيب المدارك « تصنيف القاضي عياض بن موسى بن عياض « 1 » ومن خطّه نقلت ، وقد ذكر عبد اللّه بن فروخ الفارسيّ ، فقيه القيروان في وقته ؛ فقال : كان أكره الناس في القضاء . وكان يقول : « قلت لأبي حنيفة : ما منعك أن تلي القضاء ؟ فقال لي : يا ابن فروخ ، القضاة ثلاثة ؛ رجل يحسن العوم ، فأخذ البحر طولا ، فما عساه أن يعوم ، يوشك أن يكلّ فيغرق ، ورجل لا بأس بعومه ، عام يسيرا فغرق ، ورجل لا يحسن العوم ، ألقى بنفسه على الماء ، فغرق من ساعته » . ومن الكتاب المسمّى أنّ روح بن حاتم أرسل إلى ابن فروخ ليولّيه القضاء فامتنع ؛ فأمر به أن يربط ويصعد به على سقف الجامع ؛ فقيل له : « تقبل ؟ » فقال : « لا ! » فأخذ ليطرح ؛ فلمّا رأى العزم قال : « قبلت » . فأجلس في الجامع ومعه حرس ؛ فتقدّم إليه خصمان ؛ فنظر إليهما وبكى طويلا ؛ ثمّ رفع رأسه ، فقال لهما : « سألتكما باللّه ! ألا أعفيتماني من نفسيكما « 2 » ، ولا تكونا أوّل مشوّش عليّ ! » ، فرحماه ، وقاما عنه . فأعلم الحرس بذلك روحا ؛ فقال : « اذهبوا إليه ، فقولوا له يشير علينا بمن نولّي أو ما قبل » . فقال : « إن يكن ، فعبد اللّه بن غانم ؛ فإني رأيته شابّا له صبابة يعني بمسائل القضاة . فعليك به ! فإنّه يعرف مقدار القضاء » . فولي ابن غانم ، فكان يشاوره في كثير من أموره وأحكامه ؛ فأشفق ابن فروخ من ذلك ، وقال له : « يا ابن أخي ، لم أقبلها أميرا أقبلها وزيرا ! » وخرج إلى مصر هربا من ذلك وورعا ، ومات هنالك . وممّن عرض عليه القضاء بإفريقية ، فامتنع منه ، أبو ميسرة أحمد بن نزار ، فلمّا

--> ( 1 ) توفي القاضي عياض سنة 544 ه ، وترجمته في بغية الملتمس ( ص 437 ) والديباج المذهب ( ص 168 ) وإنباه الرواة ( ج 2 ص 363 ) والإحاطة ( ج 3 ص 413 ) والصلة ( ص 660 - 661 ) والعبر في خبر من غبر ( ج 4 ص 122 ) وشذرات الذهب ( ج 4 ص 138 ) والنجوم الزاهرة ( ج 5 ص 285 ) وجذوة الاقتباس ( ص 277 ) وأزهار الرياض ( ج 1 ص 23 ) ووفيات الأعيان ( ج 3 ص 483 - 485 ) ونفح الطيب ( ج 7 ص 333 - 334 ) وفهرس الفهارس ( ج 2 ص 183 ) . وستأتي ترجمته ( ص 132 ) . ( 2 ) في الأصل : « أنفسكما » .